الذهبي
284
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَالَطَهُمْ ، فَقَامَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَخُوهُ إِدْرِيسُ ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى فَقَطَعَ أَنْفَهُ ، فَدَخَلَ الدَّمُ فِي عَيْنَيْهِ ، فَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ لا يُبْصِرُ ، فَاسْتَدَارَ لَهُ إِدْرِيسُ فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ ، ثُمَّ جُرِّدَ وَسُحِبَ إِلَى الْبَلاطِ ، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّهُ بِعَيْنِي ، وَجُرِحَ يَحْيَى ، وَشُدُّوا عَلَى الْمُسَوِّدَةِ ، وَبَيْنَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ ، فَصَاحَ الْحُسَيْنُ : ارْفِقُوا - وَيْلَكُمْ - بِالشَّيْخِ ، ثُمَّ انْتَهَبُوا بَيْتَ الْمَالِ . وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَضْعَفَ أَمْرَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْغَايَةِ ، وَأَخْلاهَا مِنَ السِّلاحِ وَالْمَالِ ، قَالَ : فَوَجَدُوا فِي بَيْتِ الْمَالِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ لَيْسَ إِلا ، وَقِيلَ : وَجَدُوا سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَأَغْلَقَ الرَّعِيَّةُ أَبْوَابَهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَهَيَّأَ الْجَمْعَانِ لِلْحَرْبِ ، فَالْتَقَوْا وَكَثُرَ الْجِرَاحُ ، ودام القتال إلى الظهر ، ثم تحاجزوا ، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِالْعَشِيِّ أَنَّ مُبَارَكًا التُّرْكِيَّ نَزَلَ بِئْرَ الْمُطَّلِبِ ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ ، فَأَقْبَلَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الثَّنِيَّةِ ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَوَالِي الْعَبَّاسِيِّينَ ، فَالْتَحَمَ الْقِتَالُ يَوْمَئِذٍ إِلَى الظُّهْرِ ، وَغَفَلَ النَّاسُ عَنْ مُبَارَكٍ ، فَانْهَزَمَ عَلَى الْهُجُنِ . ثُمَّ تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَالرَّعِيَّةُ يَدْعُونَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ ، فَإِنَّهُ آذَى النَّاسَ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ فَسَقَةً يَتَغَوَّطُونَ فِي جَوَانِبِ المسجد ، فمضى إِلَى مَكَّةَ ، وَتَجَمَّعَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنْ عَبِيدِ مَكَّةَ ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ الْهَادِي ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ تِلْكَ اللَّيَالِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَخُو الْمَنْصُورِ عَبَّاسٌ ، وَمُوسَى بْنُ عِيسَى ، وَمَعَهُمُ الْعُدَدُ وَالْخَيْلُ ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ ، فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بفَخٍّ بِقُرْبِ مَكَّةَ ، فَقُتِلَ فِي الْمَصَافِّ الْحُسَيْنُ ، وَأَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُ . وَنُودِيَ بِالأَمَانِ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو الزِّفْتِ مُغْمِضًا عَيْنَهُ ، قَدْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنَ الْحَرْبِ ، فَوَقَفَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَسْتَجِيرُ بِهِ ، فَأَمَرَ بِهِ مُوسَى بْنُ عِيسَى فَقُتِلَ فِي الْحَالِ ، فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ ذلك ، واحتزت رؤوس القتلى ، فكانت مِائَةً ، وَغَضِبَ الْهَادِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى لِقَتْلِهِ أَبَا الزِّفْتِ ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ ، وَغَضِبَ أَيْضًا على مبارك التركي ، فأخذ أَمْوَالَهُ ، وَصَيَّرَهُ فِي سَاسَةِ الدَّوَابِّ . وَانْفَلَتَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ ، فَصَارَ إِلَى مِصْرَ ، وَتَوَصَّلَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ بِطَنْجَةَ ، وَهِيَ عَلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْبَرْبَرِ ، وَأَعَانَهُ عَلَى الْهُرُوبِ نَائِبُ مِصْرَ وَاضِحٌ الْعَبَّاسِيُّ ، وَكَانَ